أبي منصور الماتريدي

370

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : الآية في المؤمنين ؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله . اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ . قيل « 1 » : استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم . ويحتمل التثاقل : هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا ؛ كما يقال : يتصامم ويتعامى ، من غير أن كان به الصمم والعمى ، ولكن لما يرى من نفسه ذلك . وقال بعض أهل الأدب : قوله : اثَّاقَلْتُمْ . أي : تثاقلتم وركنتم إلى المقام ، وذلك في القرآن كثير ؛ كقوله : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً [ الأعراف : 38 ] أي : تداركوا . وقوله : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . أي : ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة . أو أن يقال : متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها ؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال ، وكرامات الآخرة على الدوام أبدا . أو أن يقول : متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة ؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات ، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات . وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . الآية . عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض ، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا .

--> ( 1 ) أي أخلدتم إليها . وقال البصريون : يقال : ثقلت إلى الأرض : اضطجعت عليها واطمأننت . فاثاقلتم : تفاعلتم من ذلك . وإنما أدغمت التاء في الثاء فسكنت ، واجتلبت همزة وصل ، ومثله ( ادارأتم ) الأصل تدارأتم . وقال أبو البقاء : ( اثاقلتم : ماض بمعنى المضارع أي : ما لكم تتثاقلون ، وهو في موضع نصب ، أي : أي شيء لكم في التثاقل ، أو في موضع جر على رأي الخليل ، وقيل : هو في موضع حال ) . قال أبو حيان : وهذا ليس بجيد ؛ لأنه يلزم منه حذف ( أن ) ؛ لأنه لا ينسبك مصدر إلا من حرف مصدري والفعل وحذف ( أن ) في هذا قليل جدّا ، أو ضرورة . وإذا كان التقدير في التثاقل ، فلا يمكن عمله في ( إذا ) ؛ لأن معمول المصدر الموصول لا يتقدم عليه ، فيكون الناصب ل ( إذا ) والمتعلق به في التثاقل ما تعلق به ( لكم ) الواقع خبرا ل ( ما ) ، وقرئ ( أثاقلتم ) بالاستفهام الذي معناه الإنكار ، وحينئذ لا يجوز أن يعمل في ( إذا ) ؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، فيكون العامل في هذا الظرف إما الاستقرار المقدر في ( لكم ) ، أو مضمر مدلول عليه باللفظ ، والتقدير : ما تصنعون إذا قيل لكم ؟ وإليه نحا الزمخشري . والظاهر أن يقدر : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم ؟ ! ليكون مدلولا عليه من حيث اللفظ والمعنى . ينظر : عمدة الحفاظ ( 1 / 325 ) ، والإملاء لأبي البقاء ( 2 / 15 ) ، والكشاف ( 2 / 271 ) ، والبحر المحيط ( 5 / 44 ) ، والدر المصون ( 3 / 464 ) ، واللباب ( 10 / 91 ، 92 ) .